أسامة جاد
وأوزع جسمي في جسوم كثيرة
معلومات المدون:
الإسم : osamajad
البلد : مصر
(اعرض صفحتي)

عن المدونة:
خبرات شخصية ومذكرات ومقالات أدبية وفنية وأرشيف وموضوعات صحفية ومواقف في الفن والحياة ونصوص شعرية وقصصية

:: "القلل" القناوي ثلاجة الفقير ,, درس في الصحافة والإخراج

عندما طلب مني الأستاذ أحمد أبو المعاطي كتابة موضوعات منوعة عن قنا وفنونها وتراثها الشعبي، جذبني جدا موضوع "القلل القناوي" ولكن كان السؤال الهام: لقد تناولها الكثيرون، وقتل الموضوع بحثا، ولا بد من قصة، فالموضوعات لا تعود مجددا للظهور إلا بقصة.
وكان لقائي مع مصطفي فرصة جميلة للحصول على قصة شعبية، غير أن الصورة اكتملت حين غنت صديقتنا الرائعة شيماء سمير أغنية "البحر بيضحك ليه" للشيخ إمام، وكما يفعل أرشميدس وهو يصرخ عاريا: "وجدتها" صرخت وأنا أجد الرابط بين القلة والتاريخ السياسي والنضالي لمصر.
وببعض البحث المحدد الهدف وجدت ما أردت، فلأغنية سيد مكاوي عن القلة قصة وأي قصة.
العنوان بالطبع كان اختيار الأستاذ أجمد، وكان درسا صحفيا جديدا لي، فمادامت القلة امتلكت قصة فلا بد لها من قضية اجتماعية أيضا، ولا مانع من التعريج على الرومانسية التي تقرب الموضوع من القارئ.
وكان.
ثم جاء درس جديد من المخرج في جريدة الخليج، والذي علج النص والصورة معا واستغل الفراغات في العتمة ليسقط النص عليها مستفيدا من تكبير حجم الصورة ليوازن نصف صفحة الجريدة مساحة إعلان كل الأسرة.
بالطبع لم يكن ذلك ليكون سوى في ظل الجودة العالية للصورة التي التقطها الخال "عبد الرحيم حمزة" الذي أرسلت حوارا معه للخليج منذ فترة.
وكان الخال عبد الرحيم قد منحني ثلاث صور عن الفخار إحداها اتسمت بسمات الفن التشكيلي الواقعي المصري في بدايات القرن الماضي كلوحات ناجي صبري وأحمد سعيد، وصلاح طاهر في البدايات المبكرة، غير أن ظرف الصفحة جعل المخرج يلجأ لتكنيك آخر والاعتماد على صورتين فقط.
فضلا عن كون الصورة، التي قد تغني عن مليون كلمة، قد تشد القارئ لجمالياتها فلا ينتبه للموضوع، فكان المخرج وكأنه أراد أن يقرأ الناس الموضوع، فله خالص التحية، وحقيقة، في هكذا لمحات تظهر براعة المخرج الصحفي وفنياته عن الآخرين.
وذلك كان موضع خلاف بيني وبين البعض قديما، فأنا أرى الإخراج الصحفي فنا له قواعد، تماما كالديكور مثلا، هو فن تطبيقي، ولكنه بالضرورة ليس حرفة.
وها إلى الموضوع:
 
"القلل" القناوي ثلاجة الفقير
 
القاهرة - أسامة جاد:

عندما وصفها فنان الشعب سيد درويش بال “مليحة” كان يشير ضمنياً إلى فكرة في الموروث الشعبي، أن الضيف الثقيل يتم كسر “قلة” وراءه احتفالاً برحيله، فكانت أغنية “مليحة قوي القلل القناوي” بمثابة حلم بزوال الإنجليز من مصر، وكسر ال “قلل وراءهم”.

وال “قلة” آنية من الفخار، تشبه “الجحلة” الخليجية، وإن كانت تختلف في الشكل النهائي، وتتنوع أحجامها، تستخدم لتبريد المياه اعتماداً على رشح وتبخر الماء عبر مسام الفخار، الأمر الذي ينتج درجة مناسبة من البرودة للماء في داخلها.

ولم يكن سيد درويش هو الوحيد الذي غنّى لل “قلة”،حيث غنى لها الشيخ إمام “البحر بيضحك ليه وأنا نازلة اتدلع أملا القلل”، وهي من كلمات الشاعر والمسرحي الراحل نجيب سرور، وللمفارقة كان موضوع الأغنية سياسياً أيضاً.

ومن كلمات محمد جاد غنى الشيخ إمام أيضاً “سايس حصانك” والتي تحدث فيها عن تبخير ال''القلة''، وهو أحد الطقوس الشعبية التي تعتمد تبخير أواني الفخار الخاصة بحفظ الماء بالسعد والبخور واللبان، ليكتسب الماء نكهة مميزة، ومذاقاً خاصاً.

وال “القلة” ثلاجة المصريين منذ عهود الفراعنة، وحتى اختراع الثلاجات الحديثة، حيث بدأت تختفي نسبيا، وإن كانت لا تزال “ثلاجة الفقير” و”سبيل” أهل الخير للظمأى والعابرين.

أما قبل الثلاجات، بل ومنذ عهد غير بعيد، كانت ال “قلل” شواهد رئيسية في شرفات البيوت المصرية، حيث المشربيات و”الحرملك” والقلل الموضوعة على الشرفة ليعبرها تيار الهواء، مبرداً الماء في داخلها، وملطفاً قلب عاشق يرنو، حيث يحظى بنظرة خاطفة من حبيبة تختبئ خلف تعاشيق المشربية وهي تتناول القلة لتروي ظمأها.

القلل القناوي هي أشهر أواني الفخار في مصر، ويطلق عليها ذلك نسبة إلى محافظة قنا، حيث يشير التاريخ الشفاهي لصناعتها إلى أن الشيخ أبا السعود الجارحي، وهو أحد رواد صناعة القلل في التاريخ كان يعكف على صناعة إحداها بالقرب من ضريح العارف بالله، السيد عبد الرحيم القنائي، وكانت القلل وقتها تصنع  بخلط نوع خاص من الطين بالزيت، وتشكيلها سريعا قبل أن يجف.

وتقول الحكاية إن الشيخ الجارحي عندما قاربت “قلّته” التي كان يصنعها على الجفاف قبل أن ينتهي من منحها الشكل النهائي الذي أراده، بكى، وتساقطت دموعه على القلة، وأدهشه أن عجينتها أصبحت لينة مجدداً.

ومن يومها عرف الجارحي أن القلل يمكن صناعتها أيضاً باستخدام الماء مع الطين، بدلا من الزيت، وكانت قنا هي المكان الأول الذي خرجت منه القلل الجديدة.

“ليس كل طين صالحاً لصناعة القلل”، يقول مصطفى سيد أحمد دسوقي أحد وارثي صناعة القلل في مدينة قنا، عن والده الراحل الذي نال شهرة عالمية في هذا المجال.

فالطين الذي تصنع منه لابد أن يتسم بمسامية معينة، ودرجة خاصة من اللزوجة والتماسك، حيث يتم تخميره لثلاثة أيام في أحواض خاصة، ومن ثم يستخدم دولاب دوار يتم تحريكه يدويا أو بواسطة القدمين، لتشكيل القلة عليه.

 

أسبلة صيفية: غير أن تاريخ “القلة” وما تحمله من دلالات عميقة على جمال وإبداع الفنان التلقائي في مصر منذ عصور الفراعنة، يظل خالداً، فالأجيال الجديدة تستعيده الآن في مواسم الصيف من خلال أسبلة الماء البسيطة التي يندر أن يشاهدها إلا من يقوم بجولة في شوارع القاهرة القديمة في ساعات “العصاري”، كما أنها أصبحت قاسماً رمضانياً مشتركاً مع الفانوس والمدفع.

وهناك أشكال فخارية أخرى إلى جوار القلة، منها “الزلعة”، و”الجرة”، و”المنشل”، و”الزير”، وكلها أوان لتبريد المياه، وإن كانت تختلف من حيث الحجم فقط، غير أن أشهر تلك الأواني على الإطلاق هي القلل، فهي بحسب سيد درويش “مليحة قوي” و”ظريفة قوي”.
 
الموضوع منشور في جريدة الخليج على الرابط التالي:


صناعة القلل
(1) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 08 مايو, 2010 07:38 م , من قبل احمد اسكارنو
من مصر

اغنية سايس حصانك من كلمات الشاعر نجيب شهاب الدين




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية





عدد الزوار

Osama Jad

http://osamajad.arabblogs.com/photos/profile_o.jpg
كتب هامة




Adding Google Ads Code to Your Jeeran Blog